hero image
قيود الحرية
القصة العامة: جهنم على الأرض

هدايا مطرزة بالخيط والغياب

نسيم الرضيع
مجموعة قصصية
قيود الحرية

حتى اندلاع الحرب كنت اسكن مع زوجتي، شروق المصري (32 عامًا) وأطفالنا الأربعة: محمد (9 أعوام) وشيماء (7 أعوام) وسما (4 أعوام) وصِبا (3 أعوام)، في شقة داخل مبنى مكون من ثلاثة طوابق تملكه عائلتي، في شارع الرضيع في بيت لاهيا، شمال قطاع غزة كانت حياتنا هادئة ومليئة بالحب والدفء الأسري لم يكن بيتنا مجرد سقف يحمينا، بل كان مصدر أمان وطمأنينة كانت لدينا مزرعة وكنت أعمل مزارعًا فيها، وكذلك أجيرًا في مزارع أخرى وأعيل أسرتي.

في صباح يوم السبت الموافق 7.10.23، نحو الساعة 6:30، استيقظت مفزوعًا على دويّ الانفجارات بينما كانت زوجتي تُحضّر شيماء ومحمد للذهاب إلى المدرسة. نظرت من النافذة فرأيت المقاومة الفلسطينية تطلق وابلا كثيفًا من القذائف باتجاه إسرائيل. فتحت التلفاز وتابعت الأخبار عبر الإنترنت وفهمت أنه يجدر بنا البقاء في البيت وعدم الخروج.

بقينا في منزلنا حتى يوم الخميس الموافق 12.10.23، قرابة الساعة 18:00، حين بدأت طائرات جيش الاحتلال بقصف بنايتنا بشكل مباشر دُمّر جزء كبير من البناية استشهدت عمّتي سلوى الرضيع (50 عامًا) وأَصيبت أمي، هيام الرضيع (55 عامًا) إصابة خطيرة وابنتي سما إصابة طفيفة، بسبب القصف اضطرت عائلتي للنزوح إلى مدرسة خليفة بن زايد التابعة لوكالة الأونروا في مشروع بيت لاهيا كما لجأت عائلة زوجتي إلى المكان نفسه سكنّا في أحد الصفوف الدراسية وكانت الظروف سيئة جدًا اضطررنا إلى تدبر أمورنا من دون تلبية أبسط مقومات الحياة الإنسانية لم يكن هناك ما يكفي من الطعام أو الماء ولم تتوفر لدينا ملابس للتبديل ولا فرشات ولا بطانيات.

في 6.12.23 تعرّضت المدرسة لهجوم استشهد عمّ زوجتي محمود المصري رغم ذلك، اضطررنا إلى البقاء لعدم وجود مكان آخر نذهب إليه ثم في مساء يوم السبت الموافق 9.12.23، وبينما كنا جميعًا في المدرسة، طوّقها الجيش الإسرائيلي ب "حزام ناريّ" من القصف كنا جميعًا في حالة خوف شديد انتشرت الآليات الثقيلة ومركبات الجيش الإسرائيلي حول المدرسة وتمركز قناصة منه على أسطح المباني المرتفعة المحيطة بها وبعد وقت قصير، اقتحم جنود الاحتلال المدرسة وأمروا جميع الموجودين بالنزول إلى الساحة في ساحة المدرسة فصلوا بين النساء والرجال. جمعوا الرجال من عمر 15 إلى 55 في جهة، والنساء والأطفال وكبار السن في جهة أخرى كنا جميعًا خائفين ومتوترين للغاية في مرحلة ما أمرنا الجنود نحن الرجال، بخلع ملابسنا والبقاء بالملابس الداخلية شعرت بإهانة شديدة حين أجبرت على فعل ذلك أمام كل هؤلاء الناس وخاصة أمام زوجتي وأطفالي.

بعد ذلك ساق الجنود الرجال بمجموعات من خمسة أشخاص في كل مجموعة إلى مسجد "شادي حبّوب"، شمال المدرسة هناك، قيدوا يديّ خلف ظهري بأربطة بلاستيكية بشكل مؤلم جدًا وساقونا مشيًا إلى معسكر للجيش قرب مستشفي حمودة للولادة في الشارع الرئيسي في بيت لاهيا كانت تحيط بنا مركبات عسكرية وعدد كبير من الجنود.

في معسكر الجيش، أوقفوني أمام كاميرا وصوّروني للتعرّف على الوجه، ثم أمروني بالجلوس قرب سياج من الأسلاك الشائكة، وهناك صوّرني أحد الجنود بهاتفه أيضًا بعد ذلك أدخلوني إلى إحدى مركبات "الهامر" وكان في داخلها ضابط دقّق الضابط في بياناتي الشخصية ثم قال لي "أهلًا وسهلًا" بعدها، أعطوني بنطالًا وقميصاً لأرتديهما وغطّوا عينيّ ودفعوني بعنف إلى داخل شاحنة، وسط وابل من الشتائم مثل "يا ابن الشرموطة" و"يا ابن القحبة" صعد إلى الشاحنة معتقلون آخرون ثم انطلقت، في الطريق، كان السائق يقود بسرعة كبيرة، عمدًا على ما أظن، ثم يقوم بتوقفات مفاجئة، فكنّا نصطدم ببعضنا بعنف، عندما توقفت الشاحنة في النهاية، أنزلونا وأوقفونا في طابور بين صفّين من الجنود وراحوا يضربوننا، واحدًا تلو الآخر، ويشتموننا لاحقًا، أخذونا إلى ساحة مكشوفة وتركونا هناك حتى الصباح، تحت المطر وفي البرد شعرت بأن قلبي سيتوقف من شدة الخوف والبرد.

في الصباح فتّشونا ثم ساقونا إلى حافلة سارت قرابة ساعتين ثم توقفت لم نكن نعرف إلى أين وصلنا أنزلونا من الحافلة وهم ينهالون علينا ضربًا، ثم أدخلونا إلى قفص ونزعوا العصبات عن أعيننا والقيود عن أيدينا بعد ذلك أعطوا كل واحد منا بنطالًا وقميصًا باللون الرمادي وطلبوا منا تبديل الملابس وبعد أن بدّلنا، أخذونا إلى العيادة، حيث سألني الطبيب إن كنت أعاني من أمراض مزمنة ثم أعادوا تغطية عينيّ وتقييد يديّ أخذونا إلى بركس كبير كان يضم عددًا كبيرًا من المعتقلين هناك علمت أنني محتجز في سجن "سديه تيمان".

في صباح اليوم التالي أجروا العَدّ ثم قدّموا لنا وجبة إفطار شملت خبزًا وعيّنات صغيرة من اللبنة والمربى وفي الغداء قدّموا خبزًا مع عينات من التونة، وكانت وجبة العشاء مشابهة لوجبة الإفطار، في صباح 11.12.23 أثناء العدّ، نادوا باسمي ورقمي ثم بدأوا بسحبي إلى مكان آخر وهم يضربونني ضربًا شديدًا وصلنا إلى غرفة كانت أرضيتها مغطاة بالقش كان هناك ضابط وجندي، أمراني بخلع كل ملابسي وارتداء حفاض ثم قيّدوا يديّ خلف ظهري وغطوا عينيّ وعلّقوني (وضعية "الشبح") على رافعة بالسلسلة (بلانكو) من النوع الذي يستخدمه الجزارون لرفع الخراف بعد الذبح تركوني معلّقًا هناك قرابة 10 ساعات متواصلة كنت أعاني من آلام شديدة في الكتفين ومفاصل اليدين. علّقوا إلى جانبي، بالطريقة نفسها شابًا، آخر أعرفه كانوا يضربوننا ونحن معلّقان، خصوصًا في منطقة الصدر مع كل ضربة كنت أشعر أن روحي تكاد تخرج من جسدي من شدة الألم بعد ذلك أنزلوني وأخذوني إلى غرفة كان فيها رجل أصلع ضخم الجثة بلباس مدني، كان جالسا أمام حاسوب وعرّف نفسه بأنه "من الشاباك" قبل بدء التحقيق قيّدوني إلى كرسي في البداية طلب مني تفاصيل شخصية عني وعن أفراد أسرتي. ثم ادّعى أنني مقاتل في حماس وأنني عبرت الحدود في 7 تشرين الأول 2023 أنكرت ذلك سألني أين يُحتجز المخطوفون الإسرائيليون، فأجبته بأنني لا أعرف عندها بدأ المحقّق يهدد بقتل زوجتي وأطفالي، وقال لي أيضًا: "إذا أصريت على عدم الاعتراف وعدم الكلام، فسنجعلك تتكلم من مؤخرتك" استمر التحقيق قرابة ساعة، ثم أعادوني إلى غرفة "الشبح" وعلّقونى مرة أخرى.

استمر التعذيب بكافة الأشكال وأبشع الطرق حتى نقلوه إلى زنزانة لم يكن نسيم الرضيع يحلم بالكثير وهو في زنزانته لم يحلم بالحرية بمعناها الكبير، ولا بسماء مفتوحة أو بحر غزة الذي اشتاق له بل حلم بسيط حدّ الوجع: أن يرى عائلته فقط ومضى عامان كاملان وهو يعدّ الأيام لا بالتقويم، بل بالشوق والانتظار.

داخل الزنزانة، لم يكن هناك أقلام ولا أوراق ومع ذلك، رفض الأسرى أن تصمت قلوبهم نزعوا قطع قماش من ملابسهم المهترئة، وبردوا سلكًا نحاسيًا حتى صار إبرة، وسحبوا خيوطًا واهنة من أطراف ثيابهم، بالخيط والإبرة كتبوا ما عجز الصوت عن قوله: أسماء أحبّتهم، تواريخ، قلوب صغيرة، ورسائل شوق مطرّزة بالصبر نسيم كان واحدًا منهم. طرّز لوالدته قلوبًا كثيرة، وكأنه يخشى أن لا تكفي كتب اسم والده مرارًا، وحلم أن يخرج بتلك القطع القماشية إلى زوجته وأطفاله الثلاثة، هدايا بسيطة لكنها محمّلة بعامين من الاشتياق.

يقول نسيم: “ابنتي صبا كانت تزحف حين اعتُقلت، واليوم صارت تمشي وتلعب وتضحك.” احتفظ بالقطع بعناية، خبّأها كمن يخبّئ عمره، وحين خرج نسيم من السجن، وصل إلى مستشفى ناصر، يحمل تلك القطع المطرّزة ككنز صغير كان يبحث عن الوجوه التي كتب أسماءها بالخيط، عن الأصوات التي عاش عليها في ليله الطويل هناك، سقط كل شيء دفعة واحدة الفاجعة كانت كاملة عائلته كلّها استُشهدت لم يبقَ له إلا ابنته سما… وذاكرة مثقلة بالفقد.

فقد نسيم والده وفقد زوجته وأطفاله الثلاثة لم يتبقى له سوى طفلته سما الناجية الوحيدة حاملة بقلبها البرئ صاحبة ال5 سنوات صدمة ووجع لا يمكن تجاوزه أو نسيانه.

اليوم، يحمل نسيم سما،، ويشدّها إلى صدره لا تكاد تفارقه، كأنه يخاف أن يخسرها كما خسر كل شيء يطعمها بيديه، يلفّها بغطاء دافئ، ويبتسم لها كثيرًا، كأنه يحرس آخر ما تبقّى له من العالم، سما هي الناجية الوحيدة، أما الهدايا فما زالت قطع قماش صامتة، مطرّزة بالخيط والغياب، تشهد على أسير خرج حيًّا من السجن… ليكتشف أن من كان ينتظرهم، لم يعودوا موجودين.